حادثة “أسطول الصمود” تفتح نقاشًا وطنيًا حول الأمن الجوي: وزير الدفاع يحذّر من تصاعد مخاطر الطائرات دون طيار

في تعليقه على حادثة الاعتداء التي استهدفت أسطول الصمود قرب ميناء سيدي بوسعيد، أكد وزير الدفاع الوطني خالد السهيلي أن الموضوع يحظى بمتابعة دقيقة من قبل الجهات الأمنية والعسكرية المختصة، مشددًا على أن التحقيقات ما تزال متواصلة للكشف عن كل الملابسات وتحديد المسؤوليات.
وأشار الوزير، خلال الجلسة العامة المشتركة لمجلس نواب الشعب حول مهمة الدفاع الوطني، إلى أن الطائرات دون طيار (الدرونز) أصبحت تمثل أحد أكبر التحديات الأمنية في العصر الحديث، حيث تتزايد استخداماتها في المجالات المدنية والتجارية وحتى في أنشطة غير قانونية، ما يفرض على الدولة تطوير آليات الرقابة والتصدي.
وأضاف السهيلي أن المؤسسة العسكرية التونسية تعمل بتنسيق وثيق مع وزارتي الداخلية والنقل لتحديث منظومات المراقبة الجوية وتبادل المعلومات الفنية والاستخباراتية حول كل تحركات الطائرات المسيرة داخل المجال الجوي الوطني، مؤكدًا أن التحدي لا يقتصر على الجانب الأمني فحسب، بل يشمل أيضًا التنظيم القانوني والتكنولوجي.
الطائرات دون طيار: بين الاستخدام المدني المشروع والتهديد الأمني المتصاعد
تُعتبر الطائرات دون طيار من أبرز الابتكارات التكنولوجية في العقدين الأخيرين، إذ تُستخدم في التصوير الجوي، المراقبة البيئية، الأعمال الهندسية، وحتى النقل والتأمين. غير أن التوسع غير المنظّم في استعمالها جعلها تُشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الوطني، خصوصًا مع ضعف الإطار التشريعي المنظم لها في عدد من الدول.
في تونس، يخضع استخدام الطائرات دون طيار إلى ترخيص مسبق من وزارة الدفاع الوطني، غير أن غياب سجل وطني موحّد للطائرات المدنية الصغيرة يجعل من الصعب تتبع جميع الأنشطة الجوية غير المرخصة. وهو ما أكدته مصادر أمنية مشيرة إلى أن بعض الحالات الأخيرة استُعملت فيها طائرات درون لأغراض تجسسية أو لأعمال تهريب في المناطق الحدودية.
التحليل القانوني: الحاجة إلى تحديث التشريع التونسي في مجال الطيران المدني
يُجمع خبراء القانون الجوي والمحاماة على أن تونس بحاجة إلى تطوير منظومة قانونية متكاملة تُنظم استخدام الطائرات دون طيار، ضمن ما يُعرف بـ”قانون الطيران المدني الذكي”، الذي يوازن بين حرية الابتكار وحماية الأمن العام.
ويرى المحامي والخبير في المسؤولية القانونية الجوية الأستاذ (اسم افتراضي: محسن الكيلاني)، أن التشريع الحالي لا يغطي كل الحالات المستجدة، إذ إن القانون يجرّم فقط التحليق في المناطق العسكرية أو المحظورة دون ترخيص، دون التطرق بشكل واضح إلى استخدام هذه الطائرات لأغراض المراقبة أو النشر الإعلامي أو التجارية.
وأضاف أن غياب نصوص دقيقة قد يُعقد عمل القضاء في حال وقوع تجاوزات، مشيرًا إلى ضرورة إدماج شركات التأمين ضمن المنظومة التنظيمية، بحيث تُلزم كل جهة تستعمل طائرة درون بتأمينها ضد الأضرار المحتملة، سواء على الممتلكات أو الأشخاص أو المجال الجوي.
كما دعا إلى إنشاء سجل إلكتروني وطني للطائرات دون طيار، يُمكّن من تتبع كل الأجهزة المستخدمة في تونس عبر رقم تسلسلي معتمد، على غرار ما هو معمول به في الاتحاد الأوروبي.
الأمن الوطني والتكنولوجيا الدفاعية: نحو تعزيز الجاهزية التونسية
من الناحية الدفاعية، أوضح الوزير السهيلي أن القوات المسلحة التونسية تعمل على تطوير قدراتها في مجال التكنولوجيا الدفاعية والتشويش الإلكتروني، من خلال برامج بحث مشتركة مع مؤسسات علمية وطنية ودولية.
ويُعتبر الاستثمار في منظومات التشويش على الطائرات المسيرة أولوية استراتيجية، خصوصًا مع تزايد المخاطر المرتبطة بالاستعمال غير القانوني لهذه الوسائل في محيط المنشآت الحيوية والموانئ والمطارات.
وفي هذا السياق، أشار مختصون إلى أهمية إدراج تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن منظومات الدفاع الجوي التونسية، لتعزيز سرعة الاستجابة في حال رصد أي نشاط جوي مشبوه. كما تم اقتراح إنشاء وحدة وطنية للدفاع السيبراني الجوي، تكون مهمتها حماية البنية التحتية الرقمية المرتبطة بمراقبة المجال الجوي.
البعد الاقتصادي والتأميني: حماية الاستثمارات والبنية التحتية
من الجانب الاقتصادي، يرى محللون أن سوق الطائرات دون طيار يمكن أن تمثل فرصة استثمارية مهمة في تونس، إذا ما تم تنظيمها وفق معايير واضحة تشمل الترخيص، التأمين، والرقابة الفنية.
وتلعب شركات التأمين على المخاطر التكنولوجية دورًا حاسمًا في هذا المجال، من خلال توفير عقود تأمين تغطي الأضرار التي قد تنتج عن سوء استخدام الطائرات أو سقوطها، ما يحدّ من النزاعات القانونية ويحمي المستثمرين.
كما أن تطوير هذا القطاع يمكن أن يفتح الباب أمام فرص عمل جديدة في مجالات البرمجة، الصيانة، وخدمات المسح الجوي، ما يجعل من تنظيمه تشريعًا واقعيًا يخدم الاقتصاد الوطني دون المساس بالأمن العام.
العقوبات والمسؤولية القانونية
ينص القانون التونسي حاليًا على معاقبة كل من يستعمل طائرة دون طيار في منطقة محظورة بالسجن والغرامة المالية، غير أن المختصين يرون ضرورة توسيع نطاق العقوبات لتشمل المخالفات المدنية، مثل التحليق فوق الممتلكات الخاصة أو تصوير الأفراد دون موافقة.
كما أشار خبراء المحاماة إلى أن العقوبات ينبغي أن تكون تدريجية، تبدأ من الغرامات المالية التأديبية (قد تصل إلى 10 آلاف دينار) إلى العقوبات السجنية في حال الإضرار بالأمن القومي أو تعطيل المنشآت الحساسة.
وفي هذا الإطار، دعا عدد من النواب إلى ضرورة إعداد مجلة وطنية خاصة بالطائرات دون طيار تُدرج ضمنها الإجراءات القانونية والجزاءات التأديبية والمالية، على غرار ما هو معمول به في فرنسا وكندا.
نحو تشريع متوازن بين الحرية والأمن
ختامًا، فإن حادثة “أسطول الصمود” ليست مجرد واقعة أمنية معزولة، بل جرس إنذار يفرض على الدولة والمجتمع المدني التفكير في صياغة تشريع متكامل ومتوازن يضمن:
- حماية الأمن الوطني والمجال الجوي.
- دعم الاستثمار التكنولوجي المشروع.
- ضمان التأمين القانوني للأشخاص والممتلكات.
- تعزيز الثقة في المؤسسات الأمنية والقضائية.
فالتحدي اليوم ليس في منع التكنولوجيا، بل في إدارتها بحكمة قانونية واقتصادية تضع تونس في مصاف الدول القادرة على الجمع بين الأمن والتقدم.




