أخبار المشاهير

الموت يفجع الساحة الفنية التونسية

في خسارة أليمة للمشهد الثقافي والفني في تونس، توفّي يوم أمس الاثنين 15 ديسمبر 2025 المخرج التونسي الكبير حميدة بن عمار عن عمر ناهز 84 سنة، بعد مسيرة إبداعية طويلة وحافلة بالعطاء، ترك خلالها بصمة راسخة في تاريخ السينما الوثائقية التونسية والعربية.

وقد نعت وزارة الشؤون الثقافية، في بلاغ رسمي صدر اليوم الثلاثاء، المخرج الراحل، معتبرة إيّاه من أبرز روّاد الفيلم الوثائقي في تونس، وأحد الأسماء التي ساهمت بعمق في ترسيخ هذا اللون السينمائي كأداة للتوثيق الثقافي وحفظ الذاكرة الوطنية. وأكّدت الوزارة أن الساحة الثقافية فقدت برحيله علمًا من أعلام الصورة، وفنانًا آمن بدور السينما في قراءة التحوّلات الاجتماعية والتاريخية بوعي وجمالية.

مسيرة فنية انطلقت من أكودة

وُلد حميدة بن عمار سنة 1941 بمعتمدية أكودة من ولاية سوسة، في بيئة مشبعة بالتقاليد الثقافية والتراثية، وهو ما انعكس لاحقًا على اختياراته الفنية ومواضيعه السينمائية. منذ بداياته، أبدى اهتمامًا خاصًا بالصورة كوسيلة للتعبير والتوثيق، فاختار السينما الوثائقية مسارًا أساسيًا، في وقت لم يكن هذا النوع يحظى بالاهتمام الكافي داخل المشهد السينمائي المحلي.

اشتغل الراحل على بناء لغة سينمائية خاصة، تقوم على الجمع بين الدقّة التوثيقية والبعد الجمالي، حيث لم يكن ينظر إلى الفيلم الوثائقي كعمل معلوماتي جاف، بل كفضاء إبداعي قادر على طرح الأسئلة، وإثارة التفكير، وحفظ التفاصيل الصغيرة التي تشكّل روح المجتمعات.

السينما كذاكرة وطنية

تميّزت أعمال حميدة بن عمار باهتمامها العميق بالإنسان التونسي، وبالمعالم الثقافية والدينية والحضارية التي شكّلت هوية البلاد عبر التاريخ. فقد كان يؤمن بأن السينما الوثائقية ليست مجرّد تسجيل للواقع، بل مسؤولية ثقافية وأخلاقية، تسعى إلى حماية الذاكرة الجماعية من النسيان.

ومن خلال عدسته، تحوّلت المعالم المعمارية، والحرف التقليدية، والرموز الثقافية، إلى شخصيات حيّة تنبض بالحياة داخل أفلامه، ما جعل أعماله مرجعًا بصريًا مهمًا للباحثين والدارسين في مجالات التاريخ والتراث والسينما.

أعمال خالدة في الذاكرة السينمائية

قدّم المخرج الراحل خلال مسيرته عددًا من الأعمال التي تُعدّ اليوم من كلاسيكيات الفيلم الوثائقي التونسي. ومن أبرز هذه الأعمال:

  • فيلم “الخطاط العربي” (1971)، الذي سلّط فيه الضوء على فن الخط العربي باعتباره مكوّنًا حضاريًا وجماليًا، جامعًا بين البعد الفني والروحي.
  • فيلم “الزيتونة في قلب تونس” (1981)، الذي وثّق فيه جامع الزيتونة كرمز ديني وثقافي لعب دورًا محوريًا في تاريخ البلاد.
  • فيلم “الرباط” (1986)، الذي تناول فيه أحد المعالم التاريخية الهامة، مقدّمًا قراءة بصرية عميقة لعلاقته بالمدينة والناس.

وقد لاقت هذه الأعمال تقديرًا واسعًا داخل تونس وخارجها، وأسهمت في تعزيز حضور السينما الوثائقية التونسية في المهرجانات والملتقيات الثقافية.

رؤية فنية وإنسانية

لم يكن حميدة بن عمار مخرجًا فقط، بل كان صاحب رؤية فكرية واضحة، تنطلق من الإيمان بدور الثقافة في بناء الوعي الجماعي. وقد حرص في أعماله على الابتعاد عن الإثارة أو التبسيط، مفضّلًا الأسلوب الهادئ، القائم على الصورة المعبّرة والإيقاع المتأني، الذي يمنح المتلقي فرصة للتأمل والتفاعل.

كما عُرف عنه دعمه المتواصل للأجيال الشابة من السينمائيين، حيث كان حريصًا على نقل تجربته وخبرته، وتشجيع المواهب الجديدة على خوض غمار السينما الوثائقية، باعتبارها مجالًا لا يقل أهمية عن السينما الروائية.

إرث ثقافي مستمر

برحيل حميدة بن عمار، تفقد تونس أحد حراس ذاكرتها البصرية، لكن إرثه الفني سيظل حاضرًا من خلال أعماله التي ستبقى شاهدة على مرحلة مهمّة من تاريخ البلاد. فقد استطاع الراحل أن يحوّل السينما إلى جسر بين الماضي والحاضر، وأن يمنح للصورة دورًا يتجاوز الترفيه نحو المعرفة والتوثيق.

ويجمع النقّاد والمختصون على أن تجربة بن عمار شكّلت مدرسة قائمة بذاتها في الفيلم الوثائقي، مدرسة تقوم على الاحترام العميق للموضوع، والالتزام بالجودة الفنية، والإيمان بقيمة الصورة في حفظ الهوية.

وداع يليق بالمبدعين

وقد تفاعل عدد كبير من المثقفين والفنانين مع خبر وفاته، معبّرين عن حزنهم العميق لفقدان قامة سينمائية كبيرة، ومشيدين بمسيرته الغنية وإسهاماته القيّمة في الثقافة الوطنية. كما تمّ التأكيد على ضرورة الحفاظ على أرشيف أعماله، وإعادة عرضها للأجيال الجديدة، حتى تظل رسالته الفنية حاضرة ومؤثرة.

برحيل حميدة بن عمار، تطوي السينما التونسية صفحة من صفحاتها المضيئة، لكنها تحتفظ بإرث فني وإنساني سيبقى مصدر إلهام لكل من يؤمن بأن السينما ليست مجرد صورة، بل ذاكرة وهوية ورسالة.

رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه جميل الصبر والسلوان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
belhaq-online