قابس: احتقان واسع بعد تجدد حالات اختناق التلاميذ في إعدادية شط السلام

شهدت المدرسة الإعدادية شطّ السلام بولاية قابس مجددًا حادثة اختناق جماعي في صفوف عدد من التلاميذ، بسبب تسرب غازات سامة يُعتقد أنها صادرة عن إحدى وحدات الإنتاج التابعة للمجمّع الكيميائي التونسي بالمنطقة. وتأتي هذه الحادثة بعد أقل من شهر من واقعة مشابهة، ما أعاد إلى الواجهة الجدل حول السلامة البيئية والتأمين الصحي للتلاميذ في المناطق الصناعية.
وأظهرت مقاطع فيديو تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد مؤثرة لتلاميذ يعانون من صعوبات في التنفس داخل ساحة المدرسة، قبل أن تتدخل وحدات الحماية المدنية لتقديم الإسعافات الأولية ونقل الحالات المتضررة إلى المستشفى الجهوي بقابس، حيث تم تأكيد أن الوضع الصحي مستقر لمعظم المصابين.
غضب واحتقان في صفوف الأهالي
أثارت الحادثة موجة من الاحتقان الشعبي والغضب في صفوف سكان منطقة شطّ السلام، الذين خرجوا إلى الشوارع مطالبين بإيجاد حلّ جذري لما وصفوه بـ”الإهمال المتواصل من قبل السلطات”. وقد عمد عدد من الأهالي إلى غلق الطرقات المؤدية إلى المنطقة الصناعية وإشعال العجلات المطاطية، في خطوة رمزية للتنديد بما وصفوه بـ”خطر دائم يهدد أبناءهم”.
وأكد المحتجون أن تكرار حالات الاختناق داخل المدارس يمثل تهديدًا مباشرًا لصحة الأطفال ومستقبلهم الدراسي، مشيرين إلى أن الانبعاثات الغازية من وحدات المجمع الكيميائي باتت تشكل خطرًا بيئيًا حقيقيًا. كما طالبوا السلطات الحكومية بتفعيل إجراءات التأمين البيئي والتعويض عن الأضرار الصحية الناجمة عن هذه الانبعاثات.
مواقف نقابية وتحركات منتظرة
في المقابل، أصدر الاتحاد الجهوي للشغل بقابس بيانًا شديد اللهجة، أعرب فيه عن استنكاره لتواصل ما سماه بـ”اغتيال البيئة”، ملوحًا بإمكانية تنفيذ إضراب عام جهوي في حال لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من التلوث الصناعي الذي يهدد حياة المواطنين.
وأشار البيان إلى أن الأوضاع في قابس لم تعد تحتمل، داعيًا إلى فتح تحقيق وطني مستقل حول أسباب الحوادث المتكررة وتحديد المسؤوليات القانونية. كما دعا الاتحاد إلى تفعيل برامج التمويل البيئي والتأمين على المؤسسات التعليمية الواقعة في محيط المناطق الصناعية لحماية التلاميذ والإطار التربوي من المخاطر المحتملة.
مخاوف بيئية وصحية
من جهته، حذّر عدد من الأطباء والخبراء في السلامة المهنية والبيئة من التداعيات الخطيرة لهذه الانبعاثات على المدى الطويل، مشيرين إلى أن الأطفال هم الأكثر عرضة لتأثير الغازات السامة بسبب ضعف جهازهم التنفسي. وطالبوا بضرورة إجراء تحاليل بيئية دقيقة لمراقبة جودة الهواء، وتفعيل نظام الإنذار المبكر والتأمين الصحي للتلاميذ في حال حدوث أي طارئ.
دعوات للاستثمار في الحلول المستدامة
ويرى مراقبون أن الحل لا يكمن فقط في المعالجة الظرفية للحوادث، بل في إعادة هيكلة الصناعات الكيميائية في قابس بما يتوافق مع المعايير الدولية لحماية البيئة. كما دعوا إلى تشجيع الاستثمار في الطاقة النظيفة والتأمين البيئي كخيار استراتيجي لتقليص المخاطر وتحقيق تنمية مستدامة في الجهة.
وتبقى حادثة شطّ السلام إنذارًا جديدًا يدق ناقوس الخطر بشأن التوازن بين التنمية الصناعية والصحة العامة، وسط دعوات متزايدة من المجتمع المدني والحقوقيين إلى تحمّل الدولة مسؤولياتها القانونية والبيئية تجاه المواطنين.




