أخبار المشاهيرالصحة و الحياة

كسكسي الأعراس التونسي

تُعد المائدة التونسية في الأفراح والمناسبات الكبرى لوحة فنية تعكس عمق التاريخ وامتزاج الحضارات التي مرت على هذه الأرض الخضراء. إن “وليمة العرس” في تونس ليست مجرد طعام لإشباع الجوع، بل هي طقس احتفالي متكامل يجمع بين المذاق الفريد، والروائح الزكية، والجمالية البصرية.

في هذا المقال، سنغوص في تفاصيل أشهر ثلاث أطباق لا تغيب عن “عرس” تونسي: الكسكسي بالعلّوش (لحم الضأن)، الطاجين التونسي، والسلاطة المشوية.


أولاً: سيد المائدة.. كسكسي الأعراس التونسي

الكسكسي ليس مجرد طبق وطني، بل هو هوية تونسية عالمية. وفي الأعراس، يأخذ صبغة خاصة تُعرف بـ “كسكسي العرس”، حيث يتميز بلونه الأحمر القاني، وكثرة “الفروق” (الزينة والمقبلات التي تغطيه)، ونكهة اللحم المطبوخ على نار هادئة.

المكونات الأساسية

  • الكسكسي: يُفضل النوع “المتوسط” الذي يُفتل يدوياً في المنازل (العولة).
  • اللحم: لحم الضأن (العلّوش)، ويُشترط أن تكون القطع كبيرة وسخية (تسمى “برشني”).
  • الخضار: الحمص المنقوع، والزبيب (عنصر أساسي للكسكسي المالح والحلو).
  • البهارات: التابل والكروية، الفلفل الأحمر (الزينة)، الكركم، والفلفل الأسود، والسمن العربي.

سر التحضير (المراحل)

  1. المرق (المرقة): في “المقفول” الكبير، يُقلى البصل مع قطع اللحم في زيت الزيتون، ثم تُضاف الطماطم المركزة والهريسة العربي. تُضاف البهارات ويُغمر الخليط بالماء الساخن مع الحمص.
  2. تفوير الكسكسي: يوضع الكسكسي في “الكسكاس” فوق المرق ليتشرب بخار اللحم والبهارات. يُرش بالماء تدريجياً ويُعاد تفويره مرتين على الأقل حتى يصبح طرياً.
  3. التحمير والدهن: بعد نضج الكسكسي، يُسقى بالمرق المصفى بعناية، ويُضاف إليه السمن العربي الذي يعطيه رائحة “العرس” المميزة.
  4. الزينة (الفروق): يُزين الصحن الكبير بقطع اللحم في الوسط، ويُحاط بالحمص، والزبيب المقلي، والفلفل المقلي، وأحياناً يُضاف إليه “المسفوف” الصغير أو بيض مسلوق لزيادة الفخامة.


ثانياً: الطاجين التونسي.. ملك المقبلات الساخنة

يختلف الطاجين التونسي تماماً عن الطاجين المغربي؛ فهو عبارة عن “غراتان” شرقي غني بالبيض والأجبان، يُخبز في الفرن ويُقطع إلى مربعات متناسقة تزين جوانب طبق الكسكسي أو تُقدم بمفردها.

أنواع طاجين الأفراح

في الأعراس التونسية، نجد غالباً “طاجين ملسوقة” أو “طاجين الجبن”.

المكونات

  • البروتين: صدر دجاج مطبوخ في “تختوخ” (مرق خفيف وبصل وبقدونس).
  • البيض: هو المادة اللاصقة، ويحتاج الطاجين الكبير من 12 إلى 15 بيضة.
  • الأجبان: مزيج من الجبن المرحي (السيبيو) والجبن المطبوخ.
  • الإضافات: بقدونس مفروم، قطع من البطاطس المقلية الصغيرة جداً، وكركم للون الذهبي.

طريقة الإعداد

يُفتت الدجاج ويُخلط مع المرق المتبقي، ثم يُضاف البقدونس والبطاطس والأجبان. يُكسر البيض فوق الخليط ويُحرك جيداً. يُسكب في طبق فرن مدهون بالزبدة ويُخبز حتى يصبح لونه ذهبياً متماسكاً. السر في طاجين العرس هو أن يكون “عالي” الارتفاع وإسفنجي القوام.


ثالثاً: السلاطة المشوية.. عبق الفحم والتراب

لا تكتمل المائدة التونسية بدون “السلاطة المشوية”. هي فاتح الشهية الأول، وتمتاز بنكهة “التدخين” التي تأتي من شواء الخضار على الفحم.

المكونات

  • فلفل أخضر (حلو وحار حسب الرغبة).
  • طماطم حمراء صلبة.
  • ثوم وبصل.
  • للتزيين: تونة، زيت زيتون بكر، بيض مسلوق، وزيتون أسود.

خطوات التحضير التقليدية

  1. الشواء: تُشوى حبات الفلفل والطماطم والبصل والثوم على كانون (فحم) حتى تحترق القشرة الخارجية وتصبح الخضار طرية من الداخل.
  2. التقشير والفرم: توضع الخضار في كيس بلاستيكي ليسهل تقشيرها، ثم تُفرم يدوياً باستخدام “المهراس” التقليدي أو السكين (لا يُنصح بالخلاط الكهربائي لضمان القوام الخشن الجميل).
  3. التتبيل: تُتبل بالتابل والكروية والملح وزيت الزيتون بكثرة.
  4. التقديم: تُبسط في أطباق صغيرة وتُزين بالتونة والبيض، وهي الرفيق الدائم للخبز التقليدي “الطابونة”.


التناغم الثقافي في طبق واحد

عندما تجتمع هذه الأطباق الثلاثة على طاولة واحدة في عرس تونسي، فإنها تمثل توازناً غذائياً وحسياً مذهلاً:

  • الكسكسي يمثل الكرم والوفرة.
  • الطاجين يمثل الإبداع والجمال.
  • السلاطة المشوية تمثل الارتباط بالأرض والنكهة الحريفة التي تميز الشخصية التونسية.

في الأعراس، يتم تقديم هذه الأطباق وسط أهازيج “الزغاريد” ونغمات “المزود”، حيث يجتمع الأهل والأحباب حول “القصعة” الكبيرة، مما يعزز الروابط الاجتماعية. إن المطبخ التونسي في الأفراح ليس مجرد طهي، بل هو رسالة حب وتقدير للضيوف، واستمرارية لتقاليد ضاربة في القدم.

إن وصفة عرس تونسي هي مزيج من الصبر (في الطبخ على نار هادئة)، الجودة (في اختيار زيت الزيتون واللحم البلدي)، والروح الجماعية. فإذا زرت تونس يوماً في فصل الصيف (موسم الأعراس)، فلا تفوت فرصة تذوق هذه الثلاثية المقدسة التي ستترك في ذاكرتك طعماً لا يُنسى.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
belhaq-online